تخطّي إلى المحتوى

القائمة

تسجيل الدخول
أحمد
أحمد

حين يحتاج العطاء إلى عقلٍ بقدر ما يحتاج إلى قلب

مقالات
حين يحتاج العطاء إلى عقلٍ بقدر ما يحتاج إلى قلب

العطاء في جوهره فعل نبيل، لكنه حين يُترك بلا وعي، قد يشبه ماءً غزيرًا يُسكب على أرضٍ غير ممهدة؛ يفيض لحظة، ثم يتبدد أثره سريعًا.

ليس لأن الماء قليل، بل لأن الأرض لم تُهَيَّأ لتحفظه !

لقد اعتدنا أن نحتفي بالعطاء من زاوية النية وحدها، وكأن صفاء القصد كافٍ ليضمن دوام الأثر. غير أن التجربة الإنسانية، قديمها وحديثها، تقول شيئًا آخر:

أن النية إذا لم تجد نظامًا يحتضنها، تذبل مهما كانت صادقة. في زمنٍ تتسارع فيه المبادرات، وتتعدد فيه الجهات،

لم يعد السؤال: من يعطي؟ بل أصبح السؤال الأثقل وزنًا: أي عطاء يبقى؟

العطاء الذي لا يُدار، يشيخ مبكرًا. والأثر الذي لا يُخطط له، ينطفئ عند أول اختبار. أما العطاء الذي يُبنى بعقلٍ واعٍ، فإنه لا يكتفي بأن يلمس الحاضر، بل يمتد ليصوغ المستقبل.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه العمل الخيري ليس شُح الموارد، بل هدرها بلا بوصلة. فكم من مشروعٍ وُلد كبيرًا، ثم انكمش، لا لأن الفكرة ضعيفة، بل لأن البناء لم يكن متينًا. وكم من مبادرةٍ صادقة توقفت، لا لانطفاء الرغبة، بل لغياب الهيكل الذي يحفظها حين تهدأ الحماسة. وهنا، يصبح تنظيم العطاء ليس ترفًا إداريًا، بل واجبًا أخلاقيًا. فكما أن المال أمانة، فإن أثره أمانة مضاعفة. وكما نُسأل عن الإنفاق، نُسأل عن ما يبقى بعده. العطاء المنظّم لا يُجرّد العمل الخيري من روحه، بل يحمي تلك الروح من الاستنزاف. هو أشبه بإطارٍ ذهبي يحيط بلوحة ثمينة؛ لا ينافس جمالها، بل يُظهره، ويصونه من التلف.

ومن هنا، فإن الانتقال من العطاء اللحظي إلى العطاء المستدام ليس تحولًا تقنيًا، بل نقلة وعي: من ردّ فعلٍ إلى رؤية، ومن مبادرةٍ إلى مسار، ومن إحسانٍ عابر إلى أثرٍ مقيم.

وحين يُدار العطاء بهذه الروح، لا يعود السؤال: كم أنفقنا؟ بل يصبح: ما الذي سيبقى شاهدًا علينا بعد أعوام؟

ذلك هو العطاء الذي يستحق أن يُكتب له البقاء. وذلك هو الفن الحقيقي في العمل الخيري: أن تلتقي حرارة القلب مع حكمة العقل، فيولد أثرٌ لا يبهت.

لا إعجابات لا تعليقات
لينة

في حياة الإنسان أعمال كثيرة، لكن تبقى الصدقة من أعظم الأعمال التي يترك أثرها في الدنيا والآخرة. فهي ليست مجرد مال يُعطى، بل رسالة رحمة، ولمسة أمل، وباب واسع...

سِرٍّ يُزهر في السماء.. الصدقة التي لا يضيع أثرها
مقالات
الإعجابات
1
التعليقات
0

التعليقات (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش وإضافة تعليقك.

لا تعليقات بعد

كن أوّل من يشارك رأيه حول هذا المنشور.

نحترم خصوصيّتك

نستعمل ملفّات ارتباط ضروريّة لتشغيل المنصّة وحفظ جلستك. ونودّ أيضاً استعمال ملفّاتٍ اختياريّة لقياس الاستخدام وتحسين ما نقدّمه — ولا نفعل إلّا بإذنك.

اقرأ الشروط وسياسة الخصوصيّة
تخصيص